اولياء چلبي
28
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة
الفصل الخامس والخمسون في أغرب غرائب مصر وطلاسمها وعجائبها وحرف أهلها سوف أتحدث عن لون بشرة شعب مصر ، أم الدنيا ، وحرفه بقدر وقوفي على حقيقة أمرها . ومصر التي تحدثت عنها آنفا على وجه التفصيل هي « مصر القديمة » أي مدينة « الفسطاط » التي كانت عامرة في الزمان الخالي . ومصر الحديثة ليست أحد أحيائها . فقد أرخ علماء العالم بقولهم : إن حدود مصر تمتد من رشيد ودمياط والإسكندرية إلى إبريم وقلعة الصاى في مسافة غاية في عمرانها تقطع في ثلاثة أشهر على ضفاف النيل حتى إن الرسائل كانت تسلم من يد إلى يد فتصل من رشيد إلى أسوان وأسنا والمنيا والصعيد العالي . فكانت مصر العتيقة مدينة مستبحرة العمران تتقارب قصورها العالية على ضفتي النيل بحيث يستطيع الديك أن ينتقل من سقف إلى سقف ويصل من مدينة بولاق ومصر العتيقة إلى مدينة « مقدونية » وهي موضع أثر قدم النبي صلى الّله عليه وسلم . وكان أحد فروع نهر النيل يمتد من شمال مدينة القاهرة إلى عين شمس بمسيرة ست ساعات مستبحرة العمران على ضفتي النيل ، كما أن أحد فروعه كان يبلغ مرحلتين من القاهرة حتى الفيوم وما بين ذلك حدائق وبساتين ولا يخلو موضع فيها من زرع . وهذا مما يجعله في النظر أحسن وأجود الأقاليم ، كما أنه أكثر الأقاليم خيرات وأكثرها قرى . وفي جوف هذه الأراضي من أرض مصر كنوز عظيمة ودفائن جسيمة . يقول مؤرخ العالم الشيخ المقريزي : إنه لا يخلو ذراع من أرض مصر من كنز قديم . وفي أيامنا تلك يعثر على أكثر من كنزين في كل عام . وهذا ما يبين إلى أي حد بعيد كانت ضفة النيل معمورة . وقد نزلت في شأن مصر آيات قرآنية على الرسول صلى الله عليه وسلم ، يقول عز من قائل : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) [ الدخان : 25 - 26 ] ، وقد فسر المفسرون هذه الآية بقولهم أن المقصود منها أرض مصر ونهر النيل .